Tuesday, 1 May 2012


               القضية العراقيه ... موقف إيران المشين .. وصمت الغرب الدفين


لابد قبل الدخول في هذا الموضوع من التطرق الى آخر ما حملته الينا الأنباء على صعيد القضية العراقية :
ــ سفر السيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهوريه في العراق والممثل عن الحزب الإسلامي العراقي في الحكومة العراقية الى واشنطن حيث وصلها يوم أمس للإجتماع مع بوش ، وكان هذا الإجتماع مقررا حسب الجدول الأمريكي في شهر كانون الثاني  / يناير القادم .
ــ  الإعلان عن تشكيل جبهة برلمانية  جديدة في العراق تضم : المجلس الأعلى للثورة الإسلاميه في العراق الشيعي برئاسة عبد العزيز الطباطبائي الحكيم ، الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق ، الإتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني رئيس الجمهوريه، والحزب الإسلامي العراقي السني . وقد استبعد من هذا التكتل الجديد حزب الدعوة الإسلاميه برئاسة ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء السابق والذي ينتمي اليه نوري المالكي رئيس الوزراء الحالي .

يمكن أن نقرأ في تقديم سفر الهاشمي  واعلان التكتل الجديد قبل سفره هو رغبة الإدارة الأمريكيه في إضعاف موقف المالكي بعد أن عمد بوش الى ذلك من خلال لقائه له في عمان والتقليل من أهمية اللقاء بعد تأجيله من اجتماع مسائي لمدة ساعتين الى اجتماع هامشي على الفطور الصباحي ولمدة نصف ساعة فقط ، وقد ذكرت في مقال سابق على هذه الصفحة أن كيل المديح من قبل بوش للمالكي خلال المؤتمر الصحفي الذي اعقب الإجتماع المقتضب واعتباره رجل امريكا في العراق كان المسمار الأول في نعش الحكومة العراقيه الحاليه . وحينما طلب من الحكيم لقاء بوش في واشنطن كان بمثابة إشعار الحكيم بأهمية دوره في العراق وهذا من وجهة النظر الأمريكيه يتأتى من ناحيتين هما كون الحكيم على رأس ميليشيا شيعيه وهي فيلق بدر وأنه المعتمد عليه من قبل ايران ، وكأنما ارادت اميركا توصيل هذه الرساله لإيران كنوع من الغزل على استحياء  كحسن نيه لإشراكها في الحل العراقي . أما الهاشمي فإنه حاليا يمكن أن يعتمد عليه كسني ( اسلامي ) لكونه قد آثر البقاء في منصبه الحكومي والسياسي داخل الحكومة العراقيه في حين انفض من الحكومة ونفض يده منها كل من جبهة التوافق العراقيه وتكتلات برلمانيه اخرى ، إضافة الى الموقف المبدأي المتشدد  لهيئة علماء المسلمين برئاسة حارث الضاري من الحكومة العراقيه ورفضه المشاركة في مؤتمر المصالحة المزمع عقده في 16 من هذا الشهر اي بعد خمسة ايام  ، أو في اي حكومة وحدة وطنيه فيها وزراء من الحكومة الحاليه ، واميركا من هذا الجانب تريد ابقاء بقية تكتلات العرب والمسلمين السنه ضمن العمليه السياسيه وعدم التفريط بهم ، خصوصا وان بوادر تكتل جديد قد بدأ يظهر في الأفق تضم هؤلاء والموجودين حاليا خارج العراق واحتمال ضم مقتدى الصدر اليهم .
ستكون مهمة الهاشمي بعد عودته اليوم او غدا حمل الوصايا والمقترحات الامريكيه الى هؤلاء في الأردن لتغيير موقفهم من اجتماع المصالحة ومشاركتهم في الحكومة العراقيه ( ربما الجديده ) بعد ان باتت استقالة او إقالة المالكي قاب قوسين بشق حزبه من الإئتلاف الشيعي بسبب التكتل الجديد المعلن ، وبذلك تلتقي مطالب المعارضه السنيه  الموجودة في خارج العراق  ــ وبحسب التقديرات الأمريكيه بالطبع ــ مع وضع جديد في ظل حكومة جديدة ...!

ايران أثبتت خلال الأزمة العراقيه وعلى مدى قرابة الأربع سنوات أنها تجيد اللعب بالأوراق السياسيه مع الغرب ، ولكنها في نفس الوقت أثبتت ايضا عدم اكتراثها بالوضع الكارثي في العراق فيما يتعلق بالبلد او بالشعب سواء كانوا من السنة او من الشيعه في سبيل مصالحها الشخصيه لدرجة وصلت الى حد اليقين لدى الناس أن ايران حقيقة لازالت تحمل احقادا قديمه ضد العراق لم تستطع ان تطرحها وراء ظهرها انطلاقا من كونها دولة اسلاميه يفترض ان تعمل على اطفاء نار الفتنه وحقن دماء المسلمين كما يأمر القران الكريم بذلك ، وكذلك لكونها بلدا جارا للعراق تربطها به علاقات تاريخيه ودينيه واجتماعيه وايضا  مصالح اقتصاديه وسياسيه .

ولكون السياسه هي لغة المصالح فقد استخدمتها ايران خير استخدام استنادا الى الحقائق التاليه :

1)    رفد الفوضى الأمنيه في العراق بالرجال والسلاح والجهد المخابراتي لإبقاء نار الفتنه متأججه. ومن المنظور الإسلامي فذلك مرفوض قطعا ولا جدال حوله .
2)    استغلال الوضع المتدهور في العراق لاسيما الاقتصادي نتيجة الفوضى الأمنيه التي شاركت هي فيها وبجزء كبير خير استغلال من خلال شراء النفط العراقي الخام بثمن بخس وهو خمسة دولارات للبرميل بالإعتماد على رجالها في العراق ( وقع الأتفاق معهم احمد الجلبي و ابراهيم بحر العلوم وزير النفط السابق ) ، ولحاجة العراق الى المشتقات النفطيه كالبنزين والكازولين وغيرها فإنها قامت ونتيجة الإتفاق ببيع ذلك الى العراق وبمعدل شهري يبلغ 750 مليون دولار  ( العائد الإيراني من ذلك يفوق 13 مليار دولار لحد الان وهو اعلى من الرقم الذي طالب عبد العزيز الحكيم تعويض ايران به عن حربها مع العراق وخلال توليه لرئاسة مجلس الحكم قبل اكثر من ثلاث سنوات ...! ) ، هذا إضافة الى أرباحها من إعادة تصدير النفط العراقي بالأسعار العالميه وكذلك من تهريب النفط العراقي اليها لحساب حكومة رجال الأعمال الشيعيه العراقيه . فكانت تتصرف ولازالت بعقلية التاجر الجشع الذي يتصيد في الماء العكر لإشباع مصالحه الخاصة .  ومرة اخرى لامحل لهكذا تعامل بين المسلمين على قدر فهمنا للإسلام ، اللهم الإ اذا كان ذلك بفتاوى لم نطلع عليها ...!
3)    لو أخذنا تصريحات القادة الإيرانيين بدءا من اعلى مرجع ديني هناك وهو مرشد الثورة علي خامانئي ونزولا الى رئيس الجمهوريه محمود أحمدي نجاد والى وزير الخارجيه منوشهر متكي  وغيرهم من المسؤوليين الإيرانيين لوجدناها جميعها تتطابق ــ هذا شئ طبيعي في الحقيقة لمسؤولي نظام واحد ــ ولكنها تتطابق ضد مصلحة العراق والعراقيين قلبا وقالبا . تقول التصريحات أنهم اي الإيرانيين مستعدين لمساعدة اميركا في ورطتها في العراق ضمن شروط منها انسحابها من العراق وطبعا شروط غير معلنه فيما يتعلق ربما بأنشطتها النوويه او أطماعها في منطقة الخليج والعراق نفسه ....  كلام ظاهره الرحمة وباطنه من قبل العراق العذاب..! العرض الإيراني يقول وبلغة واضحة  لالبس فيها انها تريد مساعدة اميركا في الخروج من ورطتها ، ويفترض ان ايران عدوة اميركا ( الشيطان الأكبر ) تعمل على اذلال اميركا اكثر في المستنقع العراقي .. إنه مساعدة اميركا إذن وليس المظلومين من اهل العراق من كافة المذاهب والطوائف والأديان ..! ولقاء ذلك ولأن لكل شئ ثمن تريد ايران أن تحصد ماتعرضه على اميركا وتوظفه لمصالحها الخاصه ، والغريب في الأمر أن حكومة العراق التي يفترض انها حليف اميركا تعمل بهذا الإتجاه مع أنها ظاهرا وباطنا ترتبط بايران وأميركا والغرب صامت عن ذلك ، والأغرب أن اميركا والغرب عموما يصرح بعدائه للحكومة الإيرانيه ( المارقه ...!) .    

معادلة غريبه مضحكة مبكيه ، ذلك هو الصمت الامريكي الغربي عن الدور الإيراني في العراق والمنطقة العربيه باطنا ، والمجاهرة بتصريحات منافيه لذلك ظاهريا .. وذلك يؤيد ماذكرته وغيري من ان العلاقة الامريكيه الإيرانيه هي في واقع الحال تحالف مبطن بغلاف العداء الظاهري ليحصد كلاهما الأرباح كل من وجهة نظر مصلحته الخاصة وبدون تعارض .

نعود الى مابدأناه في صدر هذا المقال لأقول ان الخطوات الامريكيه الأخيره المتمثله بالعمل على تغيير الحكومة العراقيه واعتماد رجل ايران عزيز الحكيم وادخاله في تكتل جديد أخرج منه حزب المالكي ( حزب الدعوة ) وتقديم  استدعاء طارق الهاشمي الى واشنطن هو لايعدو عن كونه من ضمن توصيات بيكر ـ هاملتون من جهة ، ومصداقا لما قد يكون اتفاق امريكي ــ ايراني بشأن العراق ربما سيظهر هذه المرة على السطح بعد بقائه لفترة طويله في الأعماق . وكما يقال الكرة الآن لاتزال بيد المعارضه والمقاومة العراقيه والجواب الى من ستلقى بعد ذلك مرهون بعودة الهاشمي الى عمان قادما من البيت الأبيض ...!
11/12/2006

No comments:

Post a Comment