Tuesday, 1 May 2012

تحالف الأضداد في خطط الأسـياد

لو أردنا أن نلقي نظرة فاحصة فيما حملت الينا الأنباء خلال الأسابيع الماضية ، لرأينا بروز ظواهر كانت في حكم الخفية على مستوى الشارع مع كونها كانت من المسلّمات على مستوى التحليل السياسي والتعمق في دراسة الوضع العراقي خصوصا والعربي والشرق أوسطي عموما خطوة بخطوة مع سير الأحداث وتعدد القرارات السياسية ..!

على هذه الصفحة ولأكثر من عام مضى تناولنا بالتحليل التحالفات وعلاقات ماوراء الكواليس التي تدور بين الولايات المتحدة وإيران .. ثم قمت شخصيا بنشر حلقات مسهبة عن العلاقات الأمريكية بتنظيم القاعدة تاريخيا وماليا وسياسيا نقلا عن مصادر أجنبية معنية بالدراسات الإستراتيجية وعن كتاّب وباحثين يعملون في هذا الحقل وكلها مدعمة بالحقائق والوثائق الدامغة .. وكانت الحلقات التي نشرت على كتابات تحمل عنوان ( الحرب على الحقيقة )  بعض ما تسنى لي نشره بهذا الخصوص

لقد أشارت تلك الحلقات الى حقائق لما أسميه ( تحالفات اللامعقول ) مثل علاقة النظام الإيراني بتنظيم القاعدة على سبيل المثال .. وقد إعتبر كثير من القراء الذين وصلتني رسائل بعضهم على بريدي الألكتروني أن ما أتعرض اليه من تحليلات سياسية مبالغ فيها وبعيدة عن المنطق وفيها الكثير من التجني على  (الجارة)   إيران وبالتالي تحمل نفسا طائفيا ...  وبدوري أقول أن ذلك فعلا هو مايبدو للوهلة الأولى إذا ماإعتبرنا أن المعادلات السياسية وحساباتها مشابهة للمعادلات الرياضية التي تثبت وضوحها بالبراهين ومحصلاتها ونتائجها بالأرقام .. ولكن الحقيقة أن المعادلات السياسية بعيدة كل البعد عما يتمكن عقل الشارع من أن يصدقه ، لأنها لو فعلت العكس تكون قد كشفت أوراقها وعرّضت خاصرتها الضعيفة ـ حسب المصطلح العسكري ـ للطعن بسهولة من قبل أعدائها .. إنها بكلمة أخرى لغة التكتيك التي تقوم على عنصرين مهمين وهما : الكذب والتمثيل ...!

إن إيران وعلى مدى تاريخها المعروف حاولت البناء على نظرية تمثيل وحماية ودعم الشيعة حيثما وجدوا بإعتبارها تدين مذهبيا بذلك وهي المسؤولة عنهم وعن مصالحهم والمدافعة عن حقوقهم المهضومة.. ! وبرزت هذه الظاهرة بشكل حاد وواضح بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 1979 .. ولكن الحقيقة أن هناك خط أهم يسير بموازاة هذه النظرية لم تتخلى عنه إيران وحتى تحت الحكم الإسلامي ، ذلك هو ( الفارسية ) ومحاولة ربط التشيع بهذه النقطة ، وهو مايمثل التضليل والبعد عن الحقيقة بدليل عدم وقوفها الجدي مع الشيعة العرب في العراق ، وهضمها لحقوق الشيعة العرب في عربستان . فالتشيع هو ظاهرة عربية ، ولعل أفضل من يمثله على حقيقته هم الشيعة العرب حيث توارثوا ذلك قرناً بعد قرن رجوعا الى آل البيت العرب ..
وبالرغم من ظهور مراجع دينية شيعية من الوزن الثقيل بين العرب ، إلا أن إيران لم تعول كثيراً عليهم ، بل تمت تعمل على محاربتهم وإقصائهم مثل السيد محمد حسين فضل الله ، وغيره من المراجع العرب الكبار الموجودين حاليا في العراق .. إضافة الى ماتسعى اليه من نقل المرجعية من النجف الى قم ، أي من العراق الى إيران .. وتطبيق ولاية الفقيه ..
ونظراً لترسيخ مبدأ المظلومية في الفكر الشيعي ولقرون عديدة  ، فقد إتجهت أنظار الشيعة الى إيران كقوة إقليمية وسياسية لها وزنها ، ولعل ذلك ماجعل إيران تقوم بلعب دور اللاعب الأساسي في المحنة العراقية ومن خلال ذراعها المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عبد العزيز الحكيم الذي هو أقرب المخلصين اليها حيث أنها هي من أشرف على تنظيمه السياسي منذ اليوم الأول لتأسيسه وكذلك دعمه ماليا وعسكريا ، إضافة الى الأصول العرقية لرئيسه .. ( الطباطبائي الأصفهاني )..! ، وبالتالي التغلغل من خلال كوادره الذين يتبؤون المناصب القيادية في حكومات العراق على مدى السنوات الأربع الماضية والذين ترجع أصول الكثير منهم الى الفارسية أيضاً وينحصر ولاءهم لإيران ... !  ومن خلال ذلك تم تدخلها السافر وعلى كافة المستويات في الشأن العراقي ، والملفت للنظر فيه هو أنه يتم تحت سمع وبصر العين الأمريكية ولحد هذه اللحظة ...!

اصبحت الساحة العراقية  ، بناء على وجود النفوذ الإيراني الداخلي والخارجي ساحة صراع مذهبي وقومي أدى الى خلق حالة الفوضى ، وهو هدف أمريكي بحد ذاته وبإعتراف عرّابي السياسة الأمريكية أنفسهم من أمثال وولفيتز ورامسفيلد ، حين أطلقوا على إستراتيجيتهم في العراق إسم (الفوضى الخلاقة ) ..!
أما بالنسبة الى إيران ، فإن العراق مع كونه يشكل قمة المطامع الفارسية في المنطقة ومن منطلق تاريخي ، فإنه أُعتُبر المحطة الأولى لمد النفوذ الإيراني الى ما إصطلحت عليه الإستراتيجية الإيرانية (بالهلال الشيعي )  ذو الولاء الفارسي بعد أن أقامت الجسور مع النظام السوري وطوّرت من إستحكاماتها في لبنان وتمكنت من زرع جاليتها في الخليج ..!  

إن ظهور المقاومة العراقية جاء من منطلقين أساسيين أولهما عروبي ضد التغلغل الفارسي ، وثانيهما وطني ضد الإحتلال الأجنبي ، وقد لبست بعض فصائلها الثوب الإسلامي وأعلنته ضد التطرف الطائفي الذي حاولت إيران ونجحت في الإيحاء به وهو أن الحكم في العراق هو حكم شيعي ، والحقيقة هنا أيضا ، أن الحكم في العراق ليس بالحكم الشيعي الحقيقي بدليل مقاومة قطاع كبير ، إن لم يكن الأكبر من شيعة العراق للإحتلال وإصطدامه بالحكومة ( الشيعية ) في المنطقة الخضراء ...
هذا بحد ذاته كان مطلبا إستراتيجياً لصناع السياسة الأمريكية ، وأعني به خلق الفتنة الطائفية ، ولعل ذلك مايفسر لنا سكوت أميركا عن التدخل الإيراني منذ بداية الإحتلال ، بل المشاركة الخفية في إذكاء نار الفتنة مابين الشيعة والسنّة وبإستخدام عناصر متطرفة من الجانبين ...!

في ظل هذا المناخ ، دخل عنصر جديد الى الساحة ، ذلك هو تنظيم القاعدة الذي هو ليس ببعيد عن الأمريكان منذ نشأته سياسيا وعسكريا ، وحتى هذه اللحظة في تبادل المصالح المالية الضخمة بين عائلتي بوش وبن لادن من خلال مجموعة شركات ( كارلايل ) ومجموعات البنوك وشركات النفط هذا الدخول قدّم خدمة سياسية للنظام الإيراني ولأميركا معاً .. وقد تكشفت علاقة إيران بالقاعدة  مؤخراً للرأي العام وبشكل مثير، مع كونها كانت موجودة سابقاً ولفترة طويلة منذ إحتوت الأراضي الإيرانية محمد نجل أسامة بن لادن وبعض قياديي القاعدة الذين عبروا اليها من أفغانستان ...!

كيف خدمت القاعدة إيران ..؟

أولا : من خلال الإساءة الى المقاومة العراقية الوطنية ضد الإحتلال .
ثانيا : من خلال تفعيل الحملة الدعائية الإيرانية وتنشيطها والقائلة بأن السنّة المقاومون في العراق هم من التكفيريين والوهابيين ، وإختصارا ( النواصب ) كما يحلو للبعض أن يطلق عليهم ..! وتبني جماعة القاعدة للمصطلح الوهابي ( الروافض ) في إشارة الى الشيعة بشكل عام ...! لإبقاء التوتر الطائفي في قمته ..!
ثالثا : من خلال إستغلالها إيرانيا لإبقاء الضغط على الدول الخليجية ولاسيما السعودية
رابعا : خلق الأجواء لإعطاء المبرر للقوى المحتلة بتنفيذ خططها الإستراتيجية السياسية ..

وقد تبلورت كل هذه الحقائق حين تكشّف الدعم الإيراني للقاعدة ليس فقط في العراق بل في إفغانستان كذلك .. حيث سرّب الأمريكان مؤخراً المعلومات عن دعم السلطة الإيرانية عسكريا لكل من تنظيم القاعدة في العراق ولمقاتلي طالبان في أفغانستان ... !

لماذا تمّ كشف التعاون بين إيران والقاعدة الآن ..؟ ولماذا إهتز التعاون الإيراني ـ الأمريكي ظاهريا وبدأت علاماته تظهر على الموقف السياسي العراقي ..؟

الإجابة يمكن أن تأخذ أكثر من منحى .. ولكن قبل ذلك لابد من الرجوع قليلا الى الوراء لإستعراض نقاط الإلتقاء بين ( المتضَادين عقائديا ) .. ( والمتحَالفين تكتيكيا ) ... وكلاهما لم يكن أبدأ خارج تغطية المظلة الأمريكية وخططها في المنطقة ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 .. وحملات ماسمي ( الحرب على الإرهاب ) ....!

كلا التيارين ، القاعدة الوهابية والشيعية الفارسية ، لقيا الدعم الإسرائيلي في مرحلة ما .. الأولى منذ عام 1969 في مؤتمر القدس الذي نظّمه بنيامين نتنياهو وقام على إستراتيجية ضرب الإرهاب وما قصد به حقيقة هو الإسلام وضربه من الداخل بواسطة المتطرفين ، والعمل على ضرورة تشجيع ودعم التطرف .. وقد تم فعلاً إعلان ذلك صراحة بعد 11 سبتمبر 2001 ، وكذلك بعد إنهيار الشيوعية العالمية إثر تفكيك الإتحاد السوفياتي ، علما أن قيادات سياسية أمريكية وبريطانية حضرت ذلك المؤتمر إضافة الى زعماء وقادة الصهيونية وإسرائيل ، وممن حضر كان جورج بوش الأب للرئيس الحالي جورج دبليو بوش .. وأحد منظري سياسة المحافظين الجدد في الوقت الحاضر ..
أما الثانية فقد بدأ التعاون معها في آواخر سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية ، وانكشفت حينها صفقة الأسلحة وقطع الغيار التي كانت مرسلة من إسرائيل الى طهران وعرفت بفضيحة ( إيران كيت ) ، ثم ما تلى ذلك من تحالف خفي بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني والذي جُرّ اليه الأخير بعد وقوف الولايات المتحدة مع صدام وخروج إيران مهزومة بعد ثمان سنوات من الحرب ..!

بالقدر الذي تعول فيه أميركا وإسرائيل على التطرف والعنف الإسلامي متمثلا بالقاعدة وبقية الأحزاب والتنظيمات المتحالفة أو المتعاطفة معها .. فإنهما يعوّلان على الجانب القومي أيضا والإستفادة من التطرف والعداء القومي للعرب مثل الفرس ، ثم الكرد في العراق حيث ركّزت إسرائيل عليهم منذ ستينات القرن الماضي .. ثم إنتهت المحصلة بتحالف الشيعة الموالين لإيران في العراق مع الأكراد بعد سقوط نظام صدام عام 2003 ..! هذا التحالف الذي بني على أساس تكتيكي وغير إستراتيجي ولذا بدأت ظواهر تصدعه تظهر للعيان بعد أربع سنوات فيما يتعلق بعوائد النفط ، ووضع مدينة كركوك ، والموقف التركي من حزب العمل الكردي الذي يجد الحماية من قبل القيادات الكردية العراقية ...!

تعتمد القيادة الإيرانية على حماس وسذاجة الشارع الإيراني في إعلان عدائها الصريح والمتطرف للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومن خلال المواقف السياسية المعلنة والتصريحات النارية التي يطلقها قادتها لاسيما القادة الدينيون .. وحين أُعلن عن علاقات التعاون التسليحي والدعم الإيراني للقاعدة وطالبان في العراق وأفغانستان ، أُعتبر ذلك داخلياً وبفعل ماكنة الدعاية الإيرانية  من باب تقوية الجبهة ( المعادية ) لأميركا ( الشيطان الأكبر )....!  ولم يكن الإعلان الأمريكي عن هذا التعاون من باب الصدف أو السذاجة وفي هذا الوقت بالذات ، إنما تم توقيته لإستكمال حلقات المخطط وكمبرر جديد لإستكمال الحوار الإيراني ـ الأمريكي الذي بدأ قبل أقل من شهر .. وقبل أيام فقط طلب عبد العزيز الحكيم من إيران إستكمال هذا الحوار ، ووعدت إيران بالرد خلال اسبوع أو اسبوعين ...! وفعل نفس الشيء هوشيار زيباري وزير خارجية العراق وخال مسعود البرزاني من لندن قبل يومين حين دعا الى إستكمال الحوار بين سفيري أميركا وإيران في العراق ...!
يتم هذا في وقت إرتفعت فيه حدة المجابهة بين فصائل المقاومة العراقية وتنظيم القاعدة أو ( دولة العراق الإسلامية ) في غرب العراق وبدأت تأخذ طابع الإقتتال والمواجهة العسكرية .. وبذلك قامت القاعدة من جهتها ( برد الجميل ) الأمريكي وإشغال فصائل المقاومة الوطنية العراقية لصالح الإحتلال الذي أعلن صراحة عن تسليحه للعشائر العراقية ... ! وكذلك  لصالح إيران التي ستشهد علاقاتها بأميركا تحسنا ملحوظا عندما يحين الوقت لذلك على عكس ماقد يتصوره البعض ..

ولأن لكل شيء ثمن .. فإن ( المهادنة ) الأمريكية ـ الإيرانية ستعني إتفاقا من نوع ما على قضية النشاط النووي الإيراني مقابل ظروف عسكرية وسياسية أكثر إستقراراً للأمريكان في العراق الذين يعزفون الآن على وترين ، مهادنة المقاومة العراقية .. وترويض إيران ..
وكذلك لأن الأمور تكاد تُقرأ من مقدماتها .. فإن حكومة المالكي ستكون كبش الفداء القادم بعد أن يُستَنفذ تطبيق الخطط ، لاسيما وأن القيادة الأمريكية في العراق تزيد من ضغوطها عليها في الوقت الحاضر نتيجة لفشلها في ضبط الأمن وفقاً لتعهدات المالكي أمام بوش في الأردن ، ولكنها تريد أن تبقيها أداة لتنفيذ الخطط حتى حين ...!

من يسمع تصريحات محمد البرادعي ، رئيس لجنة الطاقة الذرية ، قبل أيام ، وهو بلا شك رجل أميركا .. حين وصف ضرب إيران عسكريا بالجنون ، وأطلق على إدارة المحافظين الجدد أي إدارة بوش مصطلح (المجانين الجدد) ..في وقت تواجه فيه هذه الإدارة ضغط الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين .. يعلم أن خططاً بديلة قد وضعت .. وما تصريحات البرادعي  من منطلق موقعه الدولي وتخصصه إلا الجسر الذي يجب أن تعبر عليه الإدارة الأمريكية ، والمبرر الفني بسماع هذه الإدارة للنصح ، وهو المقدمة لتطبيق الصفحة الجديدة مع إيران كما أشرنا ...!

تلاقي الأضداد أمر ليس بالغريب في عالم السياسة .. ولكن السؤال هو : كيف يتم لقاء الأضداد بهذا المستوى والى هذا الحد إن لم يكن الأب الروحي أو العرّاب لكليهما هو واحد ...؟!

22/6/2007

No comments:

Post a Comment