أمران جعلاني أقف في المنتصف ، وأنسى أنني شيعي
أو أنني سنّي .. وأتذكر فقط أنني عراقي ، ولا أقول أنني مسلم فقط ، لأن نزيف الدم
والحزن قد شمل الجميع .. العرب وغير العرب ، المسلمين وغير المسلمين ..
الأمر الأول ، ماجرى وما يجري لشيعة الجنوب
والوسط .. وسنّة الغرب والشمال والوسط أيضاً .. وكلاهما ضحية الإحتلال الأجنبي ..
وظلم حكومة المركز وعدم حياديتها كحكومة عراقية عليها أن تمثل الجميع وبدون
إستثناءات .
الأمر الثاني ، الحقائق التاريخية التي يحاول
قادة الطرفين إغفالها أو التغافل عنها عن قصد لكي يتم لهم إستثمار وقائع الحاضر
لتحقيق مصالح الذات .. ولابد لي في هذا الجانب أن أشير الى مقال للدكتور علي ثويني
بعنوان ( ماذا جنى العراقيون من التشيع والتسنن ) ، حيث تضمن جوانب تاريخية مهمة
تدخل في صلب الموضوع .. واليه أتوجه بالشكر .
وفي كلا الأمرين أعلاه .. وقائع وحوادث جديرة
بالإلتفات اليها .. ودراستها .. والإهتمام بها ..
وعلى الرغم من حالة الإحباط التي أعيشها كما
يعيشها ملايين العراقيين ، قررت أن أخوض في هذا الموضوع وبالعنوان الذي إخترته له
، لعله يكون رسالة مفتوحة ليس فقط للسيد مقتدى الصدر ، مع مايشكله من ثقل ديني
وسياسي .. ولكن أيضاً لكل عراقي خصوصاً أولئك الذين في القمة والقيادة الدينية أو
السياسية من مشائخ ومراجع كرام ، ومن مسؤولين .. وحتماً هو أيضاً رسالة مفتوحة
للقواعد في العراق سواء كانوا مواطنين عاديين أو منتسبي أحزاب وتنظيمات سياسية أو
دينية ... فالكل اليوم قد أصبح مسؤولاً ...!
لانريد أن تكون ثورة العشرين العظيمة ، ورجالها
، وأمجادها .. مجرد تأريخ يُقرأ ثم يوضع على الرف .. فلعمري إن ذلك لكبيرة لاتغتفر
...!
لقد آن النهوض من السبات والتغييب الفكري ، وحلت
ساعة اليقظة والوعي التام والعمل الصالح .. فلا الإحتلال سوف يحمينا .. ولا إيران
سوف تساندنا .. ولا السعودية سوف ترحمنا .. ولا تركيا سوف تؤازرنا .. ولا سوريا
سوف تعطف علينا .. ولا الأردن سوف يجمع شملنا .. ولا الكويت سوف تحبنا ...!
هذه هي الحقيقة المرة ، والتي لم تكن وليدة
الأحداث فحسب .. بل هي الحقيقة التي إستثمرتها وأعدت لها عدتها ومستلزماتها ، مكاتب البيت
الأبيض و ( السي آي أي ) ، قبل أن يضع أول جندي أمريكي قدمه على أرض العراق
الطاهرة ، وذلك لتوفير الأبعاد اللازمة لها وعوامل نجاحها ولو بعد حين ....!
أبدأ ببيان صدر في 21/11 الحالي ، وزعته وكالة
أنباء ( رويترز ) بعد أن تلقته من ( تجمع العشائر الوطني المستقل ) الذي يضم
العديد من العشائر العراقية ، ويحمل البيان توقيع 300,000 شخصية بينهم رجال دين
وشيوخ عشائر ومحامين وقضاة وأساتذة جامعة وأطباء ومهندسين ، وكذلك لم يخلو من
تواقيع المرأة العراقية الصامدة الصابرة .
يتركز مضمون البيان المقدم الى الأمم المتحدة
بالطلب لإيفاد بعثة تقصي حقائق لدراسة ماإرتكبه ويرتكبه النظام الإيراني في
محافظات العراق الجنوبية ، ويقول بالحرف الواحد : " إن أكثر الطعنات إيلاماً
وأكثر الخناجر تسمماً تلك التي غرزها النظام الإيراني في خاصرتنا نحن الشيعة في
العراق هو إستغلال مذهب الشيعة وبشكل مخجل لتحقيق نواياه الشريرة ..." .
واتهم البيان النظام الإيراني باستهداف مصالحنا الوطنية العليا .. وأنهم بدأوا
يخططون لتقسيم العراق ...!!
بيان من بيانات عديدة .. وصوت من أصوات كثيرة ..
مرت من الزركة .. وكربلاء .. الى الديوانية والسماوة والناصرية والعمارة والبصرة
.. وصولا الى مدينة الصدر في أطراف بغداد الشرقية ...! كلها ضاعت أو كادت تضيع بين
معترك أصوات بنادق حكومة بغداد و ( قوات التحالف ) ..! وبين آلاف الضحايا هنا
وهناك ، ومئات بل آلاف المعتقلين هنا وهناك ، ومنهم رجال دين ، وقادة سياسيين وكل
ذلك في زمن ( الحكومة المنتخبة ) التي منحها هؤلاء الضحايا أصواتهم .. وبين أصوات
الإنتخابات ، وأصوات العنف ، تلاشت ومع الأسف أصوات العقل من مراجع كريمة تدعو
بالحكمة والموعظة الحسنة ، ونحن نعلم أن حكومة المركز في بغداد ، وقوات الإحتلال
لم ولن تسمح بوصول هذه الأصوات الى حيث يمكن أن تؤثر وتتأثر ، لأن ذلك وببساطة هو
خارج جدول الحسابات الأمريكية ـ الحكومية العراقية .. فهل ياترى أنه سيكون خارج
حسابات القوى الوطنية ...؟؟
ليست إيران فقط هي من يرتكب الجرائم بحق العراق
والعراقيين ، ويؤجج نار الفتنة لاسيما الطائفية لحساب مصالحها ، ولكنها في الوقت
الحاضر اللاعب الرئيسي بسبب هيمنتها على السلطة التنفيذية في بغداد من خلال مراكز
القوى الدينوـ إيرانية ، ومن خلال ولاء بعض رؤوس السلطة ومن ورائها الزعامات
الدينية المؤثرة لإيران بولاء طائفي المنحى ، أو عرقي الإنتماء ، او من خلال مصالح
مشتركة سياسية على أقل تقدير ..! ولكن هناك أيضاً دول أخرى من دول الجوار تلعب
أدواراً مشابهة تصب في نفس إتجاه تأجيج الفتنة لتجني هي أيضاً من وراء الفوضى
والدمار ، مصالح إقليمية وإقتصادية تدخل في خانة الصراع والمنافسة ، حتى لو حاولت
أن تُلبس ذلك الجبة والعمامة كما تفعل إيران ، وإستغلال مظلومية هذه الطائفة أو
ذاك المذهب ، وهي في الحقيقة لاتعدو أن تكون مجرد تزييف وأكاذيب .. والتاريخ نفسه
قد أثبت تلك الأعيب وزيفها منذ حوالي 30 عاماً ، عندما رمت السعودية بثقلها ومعها
أردن الملك حسين ، وكذلك الكويت لدعم وتشجيع غرور صدام وإستغلاله بأبشع صورة من
خلال حربه مع إيران بشكل خاص .. ثم الكويت لاحقاً ، وبناء على مصالح أمريكية
وإسرائيلية عليا ...!
إنها إذن لغة المصالح ولو كانت على حساب الدم
العراقي الزكي الذي سفح هنا وهناك بدون وجه حق ...!
ليس ماتعرضت له محافظة الأنبار بمدنها وقراها ..
وما سال فيها من أنهار الدم وخراب البنية التحتية إبان حكومة أياد علاوي ، بأقل
مما تتعرض له اليوم محافظات ديالى ، وكربلاء ، والقادسية على يد حكومة نوري المالكي .. أما محافظة نينوى
فقد أُوكل أمرها كمايبدو بالإضافة الى الجيش والشرطة الحكوميين ، وألف من القوات
الأمريكية ، الى بيشمركة مسعود البرزاني ، وكل ذلك تحت شعار مطاردة المجرمين وحفظ
الأمن ..!
حقائق لانستطيع إغفالها ، ولا أن نجد لها
المبررات الهشة فقط كوجود القاعدة والتكفيريين هناك ، ووجود جيش المهدي هنا ..
والعاقل المتتبع لمجريات الأحداث ، يعلم أن كل
ماتمّ ويتمّ هو من إفرازات الإحتلال .. وأن هذا المخطط يحتاج الى أيدٍ عراقية
لتقوم بتنفيذه ، حكومية كانت أو غير حكومية .. ولست هنا في موضع الدفاع عن الأيادي
الغريبة التي دخلت العراق ولعبت أدواراً قذرة في المحافظات السنية ، ولا أنا بصدد
إنكار ذلك .. ولكنني أيضاً أقول أن فقدان السيطرة الإدارية والقيادية والإستخبارية
في جيش المهدي على بعض منتسبيه أو أولئك الذين تم زرعهم في وسطه يساهم في خلق
المبررات للحملة الهوجاء في المحافظات الجنوبية بين حين وآخر .. ولم يعد بالسر
الخافي على أحد أن المجلس الإسلامي الأعلى ، وتنظيم بدر التابع له يلعب دوراً
مهماً من وراء الستار لتحقيق أغراض ومصالح ضيقة على حساب دم أبناء الجنوب الشيعي
..
وبربط بسيط بين زيارة عبد العزيز الحكيم الى
واشنطن وإجتماعه ببوش في ديسمبر الماضي ، وما تلى ذلك من خطوات على الأرض منذ
عودته الى العراق والى الآن يثبت لنا أن المجلس المذكور والذي يدعم السلطة
التنفيذية للمالكي ، يقوم بتحقيق وتنفيذ التوجيه الأمريكي .. ولعل هناك صفقة
أمريكية ـ إيرانية تقف وراء ذلك ، لاسيما حماس الحكيم والمتحدثين بإسمه وإسم
الحكومة العراقية كعلي الدباغ ، كانوا دائماً من الدعاة الى تحقيق هذه اللقاءات
الأمريكية ـ الإيرانية في بغداد وتحت شعارات تحقيق الأمن والإستقرار في العراق ..
وها نحن سنكون قريباً مع تحقيق لقاء جديد من هذا النوع ...!
لقاءات ظاهرها الرحمة .. وشعاراتها إيقاف
التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي .. وباطنها من قبل العراق العذاب والمزيد من
( الفوضى الخلاّقة ) التي وضع أسسها حكماء وأساطين السياسة الأمريكية قبل الإحتلال
وخلاله وفي السنوات التي تلت ذلك وحتى يومنا هذا ...! وخلال كل ذلك هناك سياسة لوي
الذراع بين أميركا وإيران لإقتطاع الجزء الأكبر من الكعكة العراقية لاسيما ذلك
الجزء الدسم بالنفط العراقي ...!!
قد يكون من الجحود إنكار أو إغفال دور آل الصدر
في تاريخ الحركة الوطنية العراقية ، أو العروبية الشيعية ولأكثر من ستة عقود ..
ولعل الكثيرين لايعرفون إسم السياسي السيد محمد الصدر رحمه الله إنه رئيس وزراء (
الأزمات ) في العهد الملكي في العراق ، حيث كان صمام الأمان حين تشتعل الأزمات السياسية
في تلك الحقبة الدستورية ، فكان يُكلف بتشكيل الوزارة ويقود البلاد من خلالها الى
بر الأمان والإستقرار .. وكذلك لاينبغي لنا أن تُغفل الآن ومهما كان وضعنا السياسي
وإنتماءاتنا أسماء مثل السيد محمد صادق صادق الصدر ، والسيد محمد باقر الصدر
السياسي والمفكر .
وفي نفس الوقت سيكون من باب المكابرة والتعصب
الأعمى إغفال دور القادة السياسيين والوطنيين ممن يصنف إنتماءهم ( المذهبي ) تحت
سنة العراق ، إبتداءاً من تأسيس الدولة العراقية قبل قرابة التسعين عاماً وحتى سقوطها
تحت الإحتلال .. مروراً بكافة العهود والحُقب السياسية ..
وإذا كان آخر حكام هذه الحُقب التاريخية
المتتالية قد أساء وتطرف ضد طائفة بعينها أو قومية معينة فإنه ليس من الإنصاف من
زاوية قراءة التاريخ والحكم عليه بتجرد وحيادية ، أن يلقى اللوم على الطائفة التي
كان ينتمي اليها الدكتاتور مذهبية كانت أو قومية ، أي سنية وعربية .
ولو صحت هذه النظرة في تقييم الحكام وأحزابهم
والسائرين في ركاب ذلك ، لكان على الحكومات الألمانية التي قدمت بعد سقوط
الدكتاتور هتلر وحزبه النازي عام 1945 ، أن تقوم بتصفية أو على الأقل عزل ثلاثة
أرباع الشعب الألماني ، إن لم نقل أكثر من ذلك حيث كانوا أعضاء ومقاتلين في الحزب
النازي ، سواء أولئك الذين حكمهم الأمريكان والبريطانيين كمحتلين لألمانيا الغربية
، أو أولئك الذين إحتلهم الروس في ألمانيا الشرقية .. والقول نفسه ينطبق على
إيطاليا موسوليني ، وإسبانيا فرانكو ، وروسيا ستالين ومن أعقبه من قادة الشيوعية
حتى إنهيار النظام الشيوعي في الإتحاد السوفياتي .. وحتى بعد إنهيار ذلك النظام لم
يواجه أعضاء الحزب الشيوعي بملايينهم العددية قوانين ( إجتثاث ) أو ( مساءلة )
...!
لكن ذلك كله لم يطبق في العراق .. حين كانت من
أولويات الأجندة العراقية والتي وضعها بول بريمرلأول مجلس حكم عام 2003 ، عند سقوط
نظام صدام ، ودخول العراق تحت الإحتلال ،وبحماس ودفع من الحكام الجدد ، هو قانون
إجتثاث البعث بما تحتويه هذه التسمية ( إجتثاث ) من وجوه قد تحتمل حتى التصفيات
الجسدية ...! وتلك سابقة لم تعرف في التاريخ الحديث كما أشرنا ، ولكنها الأهواء
والأحقاد والمسارات الطائفية .. ولاندري حقيقة ماذا كان الموقف من مئات الآلآف من
بعثيي الشيعة الذين عملوا في كافة مرافق الدولة والحزب والحرس الجمهوري والحرس
الخاص خلال حكم صدام حسين ...!!؟
لقد كانت خطوة بريمر تعني وببساطة إشعال نار
الفتنة وبشكل خبيث .. ثم مارافق ذلك من خطوات
لإكمال الصورة كحل الجيش العراقي بما يوافق هوى إيران والأكراد .. وإعتماد
مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية في مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء والحقائب الوزارية
نزولا الى درجات أدنى في سلم المسؤوليات الوظيفية الحكومية ...!
ولو نظر عاقل بتجرد وإنصاف لما حدث لوجد أن
الهدف الأمريكي القائم على إستراتيجية ( الفوضى الخلاّقة ) قد بدأ يقطف أول ثماره
حين ظهرت المقاومة أو المقاومات المسلحة ، والميليشيات ، والأحزاب الإسلامية من
الطرفين ، إضافة الى التطرف القومي الكردي ممثلاً بحزبيه الرئيسيين والذي بدأ هو
الآخر يقطف ثمار الصراع العراقي لتحقيق خطوات على طريق الإنفصال تحت دعاوى مبطنة
مثل الفيدرالية ...!
وحين بدأ الصراع بين شيعة العراق وسنته بسبب
قياداتهم الحزبية والسياسية ، كان ذلك هو الهدف الكبير الذي حققته الخطة الأمريكية
وبزمن قياسي ...!
من أجل ذلك كان لابد من توظيف وجوه عراقية لتعمل
على تحقيق ذلك الهدف والقيام بتنفيذ مهام القتل والدمار وبأيدٍ عراقية وتزامن ذلك
مع إغماض العين الأمريكية عن التدخلات الإقليمية من دول الجوار بغية إذكاء وتصعيد
الفتنة ، حتى وجد العراقيون أنفسهم داخل الفخ ، فانسحب من إنسحب ووقف في صف
المعارضة ، وقاتل من قاتل ليدافع عن وجوده أو لإثبات وجوده .. واتجهت بنادق
العراقيين الى بعضهم البعض أكثر مما توجهت الى العدو المشترك وهو الإحتلال ...!
وبنظرة سريعة اليوم الى الخارطة السياسية للعراق
نرى ظهور الصدام المسلح والتمزق بين الشيعة بعضهم البعض ، وبين السنة بعضهم البعض
، وبين القوى السياسية بعضها البعض .. ونسي الجميع أن هناك جيش أمريكي محتل على
أرض العراق يفعل مايحلو له .. وأن هناك إدارة أمريكية تخطط وتنفذ كما يحلو لها
وبمساعدة من نصبتهم على رأس السلطة وبعضهم من أصحاب الفتاوى ...!!
وحين وصل الأمر الى هذا المفترق ، بدأت الصفحة الإحتلالية الثانية في المخطط بالدعوة الى ضرورة ( المصالحة الوطنية ) و (
تحقيق الأمن ) والضغط على الحكومة العراقية لتحقيق ذلك .. والكل يعلم وأولهم
الإدارة الأمريكية أن الوقت قد أصبح متأخراً لتحقيق ذلك ، ويكاد يكون في عداد
المستحيلات بعد كل ماحدث على مدى ثلاث سنوات أو أكثر وبدفع أمريكي ..
ذلك بحد ذاته هو أيضاً هدف إستراتيجي للإدارة
الأمريكية لإبقاء الإحتلال لأطول فترة ممكنة قدّرها بعض قياديهم في العراق بعشر
سنوات ..! ثم بدأ بناء القواعد العسكرية المحصنة فوق بحيرة النفط العراقية ولعقود
قادمة من الزمن ...!
ونحن نرى وبعد مضي أكثر من ستون عاما على إنتهاء
الحرب العالمية الثانية وسقوط ألمانيا واليابان وإيطاليا ، أن القواعد الأمريكية
والبريطانية لاتزال قائمة على أرض هذه البلدان ، بالرغم من كون هذه الدول من أقوى
حلفاء أميركا حالياً سياسياً وإقتصادياً وحتى عسكرياً ....!!
إذا ما إتفق معي فيما أقول عقلاء ووطنيي الشيعة
والسنة .. والمقاومين الشيعة والسنة ، والمعارضين الشيعة والسنة ، حتى لو إختلفت
طرائق تفكيرهم وتحليلهم للمجريات السياسية مع تفهمهم لأبعاد المؤامرة التي يتعرض لها
العراق وشعبه .. فما هي المشكلة إذن ...؟
كمحصلة لذلك عليهم والحالة هذه ، البحث عن أقصر
الطرق لتحقيق اللقاء التاريخي ، والذي حاول الإحتلال أن يجعله مستحيل التحقيق ..
والوضع على رأس أجندته إسقاط حكومة المحاصصة الطائفية أولاً ، ليس فقط حكومة
المالكي ، ولكن نظرية حكومات المحاصصة الطائفية بشكل عام ... والمضي على طريق ثورة
عشرين جديدة حتى لو كانت هذه المرة بدون البندقية والمكوار .. لأن العقل البشري
حين يريد ان يبدع يصبح أكثر فاعلية في إسقاط المخططات أو بناء الإصلاحات مما يمكن
تحقيقه بالسلاح وحده .. فلم يُعرف عن زعيم الهند الخالد المهاتما غاندي مثلا أنه
حمل بيده بندقية ولا حتى عصا ليُخرج بها الإستعمار البريطاني لبلده .. ولكنه مع
ذلك نجح في مهمته ...!
السيد مقتدى الصدر ، وأقولها متمنياً وطامحاً
بالرغم من اللبس الذي يحيرني أحياناً في تغيير مواقفه وتصريحاته ، أقول أن السيد
مقتدى ، قد يكون أحد هذه الرموز الوطنية لإعادة بناء البيت العراقي الكبير من
السنة والشيعة وغيرهم .. وليس البيت الشيعي الذي دعا له أحمد الجلبي والذي لايسرّ
ماضي صاحبه عدو ولا صديق ...!
وعلى الجانب الآخر أن لايقبض يده بل يبسطها له ..
هذا إذا كنا جميعاً نؤمن فعلاً لا قولاً ، أن وطننا العراق أرض محتلة .. وعلى
المحتل أن يخرج .. وأن بلدنا العراق قد تحول الى أنقاض وعلينا تقع مسؤولية إعادة
بنائه .. وأن شعبنا العراقي قد جاع وتعرّى ، وعلينا أن نخرجه من محنته ، وتلك
مسؤولية القادة مجتمعين من الطرفين .. مسؤولية أمام الله وأمام الأجيال التي ستأتي
من بعدنا ...!
أرجو مخلصاً ، أن تكون هذه الطروحات هي رسالة
مفتوحة لكل قائد سياسي وطني .. أو زعيم ديني شيعي كان أم سني .. لينظر اليها بجدية
ولتوضع موضع التطبيق وبإخلاص .. وهم والحمد لله كُثّر على الساحة العراقية ، وقد
سمعنا من خطبهم وتصريحاتهم ، ورأينا من مواقفهم الكثير ، مما يجعلنا نقول ولا نحلم
أن العراق لايزال بخير برجال من أمثالهم .. ولم يبقى إلا أن نرى تلك الخطوات
الإيجابية مهما كانت صغيرة في بدايتها وذلك في إتجاه توحيد اليد والكلمة .. ليرى
العراق والعالم أن بلد الحضارات والتاريخ يعي مايعنيه الإتحاد حين يوضع موضع
التطبيق . وبخلاف ذلك سنقول (مالكم كيف
تحكمون ) ...
والآن ولكي نعي فكرة التشيع والتسنن .. وعن
السياسة التي باعدت بينهما .. لابد لنا من الغوص قليلا في صفحات التاريخ الأعمق ،
لكي نفهم حقائق إندرست وغابت عن تفكيرنا وأدبياتنا ، وماكان ينبغي لها ذلك لولا
السياسة والسياسيين .. والسلطان والسطوة ...!
جدير بمن يدرس الظاهرة الطائفية في العراق أن
يعود لأربعة قرون خلت من الصراع بين التسنن العثماني والتشيع الفارسي ( الصفوي
والقجري ) ، حيث كانت أرض العراق مسرحاً للوغى ، ودماء أهله قرباناً لها ...!
إن النفس العراقية عنودة بسليقتها ، وتعمل
دائماً عكس الشروط المفروضة قسراً ، وربما تذعن تحت مقتضيات ( التقية ) التي
أوجدوها حلا لسلامتهم من الطغاة ، ومعروف أن التشيع قد شاع إبان الحقبة العثمانية
أكثر من أي وقت مضى ، عناداً ورداً على التسنن القسري ..
وحين وصف الصحابي عبد الله بن مسعود ، بعد عودته
من الكوفة الى الجزيرة العربية ( أن العراقيون ثائرون على الحق والباطل ) ، كانت
كلماته تعني الطبع العنادي للعراقيين وأنه لايمكن قسرهم على شيئ .. ودليل ذلك
أيضاً تقلبهم المتطرف على أنظمة حكمهم منذ أن أصبح العراق دولة بالمعنى الحديث ..
فلم تستطع أية سلطة قهرية أن تسيرهم والى الأبد .. كسلطة البعث .. وقبلها حين كان
الشيوعيون يسيطرون بالمطلق على الشارع العراقي ، وذلك بسبب إغفالهم للقراءة
المتأنية للجانب الروحي في حياة الفرد العراقي ، فناصبوا الروح العداء .. وأثبتت
الأيام أنهم كانوا مخطئين وغير متفهمين للشخصية العراقية ...!
هذه كلمات تمهيدية تطرق اليها بعض علماء
الإجتماع العراقيين وعلى رأسهم المرحوم الدكتور علي الوردي ، وكذلك كتب عنها المفكر اليساري هادي العلوي ...
وإذا ما ذهبنا الى دراسة الإصطلاحات ، والتي
تداولتها العامة ملبسة إياها ورع المذهب ، ومنها كلمة ( النواصب ) التي يطلقها
غلاة الشيعة على السنة على سبيل المثال ، نرى أن ذلك يعود تأريخياً الى غلاة خلفاء
الأمويين الذين كانوا يشجعون سب الإمام علي عليه السلام على المنابر ، حتى منع ذلك
الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز وأمر بمعاقبة كل من ( يناصب ) العداء لأهل بيت النبي .. فهم ( آنذاك ) ناصبوا
الإمام علي عليه السلام العداء ، وكان ذلك غلو وتطرف سياسي أفرزته معركة صفين ،
والمؤامرة والعصبية وشق الصف الإسلامي بالخروج على طاعة أمير المؤمنين علي عليه
السلام ( فناصبوه العداء ) .. إذن القضية هنا سياسية محضة ولدت في زمن معين وظرف
معين ..
هذا من جهة ، أما من الجهة الثانية ، فقد خرج
غلاة السنة بمصطلح ( الروافض ) ليطلقوه على الشيعة .. وهو أيضاً فعل سياسي متطرف
لا علاقة له بالدين .. فلم يعرف عن الإمام علي عليه السلام أنه أو من كان معه ،
يعني ( شيعته ) بالمفهوم الحالي ، أنهم ( رفضوا ) مبايعة خلفاء المسلمين أبي بكر
أو عمر ، رضي الله عنهم جميعاً . بل رفضوا من خرج على طاعة أمير المؤمنين وهذا حق
ومبدأ شرعي لايختلف عليه إثنان ، وحاول عليه السلام الإصلاح بالحسنى ، ثم لم يجد
مناصاً من إشهار السيف لإحقاق الحق ( والحق مع علي حيثما دار ) وهذا حديث الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم ..
ولكن السؤال الآن وبعد 14 عشر قرناً ، هل أن
أبناء السنة هم أحفاد من وقف مع بني أمية ..؟ وهل أن أبناء الشيعة هم أحفاد من خذل
علي والحسين عليهما السلام من أهل الكوفة الأوائل ..؟ بالطبع كلا ولكن بقي هناك من
يستخدم كلمتي النواصب والروافض من الغلاة من الطرفين لأغراض خبيثة ومسيسة .
هاتان التسميتان ، إستغلتا أبشع إستغلال يصل حد
الظلم لأسباب سياسية بحتة ، أي مايعرف بتسييس المذهب الديني وفقاً لهذه الدولة
الشيعية ، أو تلك الدولة السنية ...!
ولابد لي هنا من إستحضار الآية الكريمة ( تلك أمة قد خلتْ لها ماكَسَبتْ ولكم ماكسبتم
ولا تسألونَ عما كانوا يعمَلُون ) لعل في كلماتها ومعانيها عبرة وهدىً للجميع .
مثلا .. يعتقد البعض ، أن أبو حنيفة النعمان ،
تبنى التسنن على خلاف شيخه جعفر الصادق رضي الله عنهما ، وهذا أمر مبالغ فيه
ولايمت الى الدين بصلة بقدر إرتباطه السياسي بالترك أو الفرس .. بل يمكن إعتبار
أبو حنيفة شيعياً إذا ما نظرنا اليه من زاوية مناصرته لثورة زيد بن علي ، والتي
بسببها سجن ومات في بغداد ابو جعفر المنصور .. وهو أصلا من الكوفة .. وكان بينه
وبين الإمام الصادق تجانس وتطابق ومحبة كونهما بنفس العمر ، وتجمعهما علوم مشتركة ،
منذ لقائهما الأول في مكة ، حين قال له الصادق : هل أنت مفتي أهل العراق ..؟ ثم
أصبحا خليلين .. وهما إن إختلفا علمياً ، فهذا من سنن العلماء والباحثين وبديهياته
.. حيث أصبح أبو حنيفة صاحب مدرسة الرأي وواضع نظرية القياس وهذه لم تكن في فقه الإمام جعفر الصادق .. فأي
خلاف ديني كبير وعميق نتحدث عنه ويمكن أن يستنبط بين الرجلين ، وأي عداء يمكن أن
يخلقه ذلك وهو مالم يحدث بينهما أصلاً ، اللهم إلا ماإستنبطه التسييس ومنتفعي
السياسة .. فجعل هذا سنياً ، وجعل الآخر
شيعياً .. ووسع الحكام والمغرضين لأغراضهم الدنيوية ماشاء لهم توسيع الهوة بين
الإثنين ..وجعلها كهوة بين مذهبين ...!!
وما دمنا بصدد الكلام عن التشيع والتسنن السياسي
، فلا بد أن نقف وقفة منصف عند أحداث التاريخ لكي يتفهم الجميع شيعتهم وسنتهم ،
ماذا فعلت السياسة بالدين .. وكيف تمت تغذيتها عبر قرون حتى أوصلتها الى مرحلة
الحقد والكراهية ، والقتل على الهوية ، والعراق اليوم وهو موضوعنا الأساسي خير مثال لتلك الإفرازات الغريبة عن الجسم
الإسلامي ...
لقد تشيع الإيرانيون على أيدي الصفويين .. ولكن
.. الصفويين أنفسهم هم سلالة تركمانية وليست فارسية وتعود الى الشيخ صفي الدين
الأردبيلي السنّي الشافعي ( 650 هجرية ـ 1334 ميلادية ) نشأت في أردبيل وشاعت في
تبريز ( أذربيجان الإيرانية ) .. وتم التشييع بعد ذلك في إيران لأغراض سياسية محضة
، إستغلها الصفويون لكسب المزيد من الأتباع خصوصاً في عهد الشاه اسماعيل الأول حيث
كانت في إيران أربع مدن شيعية صغيرة هي : آوه ، كاشان ، سبزوار وقم .. وبعد تتويج
إسماعيل الصفوي ملكاً على إيران أعلن فرض المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة ..
وحين إنبرى المفكر ، رجل الدين الشيعي ( علي شريعتي ) للتفريق بين ( التشيع العلوي
والصفوي ) أغاض ذلك المعممين في إيران ، ودفع الرجل حياته ثمناً لطرحه المسألة
بصراحيتها وأخلاقياتها ونصابها الفقهي ـ التاريخي ....!
إن التشيع المغالي فارسي .. والتسنن السلفي عربي
.. وكلاهما لايمتان بصلة للطبيعة العراقية وإنتمائها الفلاحي البسيط .. كما أن
تحوير المذهب من التدين الى التسيس ، وجد طريقه الى العراق أيضاً ، حين كان جل
شيعة العراق يتمذهبون على فقه زيد بن علي ، وشروحات جعفر الصادق ، وليس على
الفقهاء الإيرانيين .. كذلك ، كان المذهب السني الشائع في العراق هو الشافعي حتى
روّج العثمانيون للمذهب الحنفي ، بسبب كون أبو حنيفة قد حلل أن يكون الخليفة من
عرق غير قريشي ، وذلك ماراق للأتراك ..
إذن القضية ماهي إلا محض سياسة لا سند لها لا في
الفقه ولا في الدين ..!
لقد تعرض العراق تاريخياً الى هجرات بشرية من
الهضبة الفارسية ، أو من البادية العربية طمعاً في خضرته ورفاهه ، ثم أمست الهجرات
المتأخرة تعني تسنن من الغرب وتشيع من الشرق ، ثم إنقلبت الى صراع بين الإثنين تحت
حجج أحقية التسنن أو التشيع ، ثم تطورت الى إذكاء وتحريض الطرفين أي العرب والفرس
.. وبوضع النقاط على الحروف .. السعودية وإيران .. وجماعتهما داخل العراق
أما كان صدام يقول أنه يحارب إيران نيابة عن
العرب ..! وكأن قدرنا نحن العراقيين أن نضحي عن ألآخرين المتناحرين بالسليقة ...!
وحين دخل الأمريكان بغداد ، قبل قرابة الخمسة
أعوام ، للإستحواذ على العراق ، جُنّدَ ذلك الصراع ليصب في المصلحة الأمريكية ،
وإختل النصاب في سبيل المصالح للإطراف المتصارعة تاريخياً وبدأت أمور عجيبة تظهر
مابين مساندة إيران لقوى سنية سلفية كالقاعدة في ديالى ، ومساندة السعودية لقوى
شيعية كجند السماء في الفرات الأوسط ...!!
ومن المفارقات المضحكة المبكية لحالة التشرذم
العراقي التي خلقتها الأطراف السياسية المتصارعة ومن أبرزها إيران والسعودية ، أن
كلاهما لم يعاضدوا العراقيين وهم تحت الظلم التاريخي وقبل دخول الأمريكان ..
ولعلنا لاننسى إستهانة إيران بشيعة العراق ، والسعودية بسنة العراق .. أيام إضطر
الإثنان للعيش في المخيمات في البلدين هرباً من الظلم الديكتاتوري قبل وخلال حرب
أيران ـ العراق ، وغزو العراق للكويت وإندحار الجيش العراقي على يد الأمريكان ...!
وقد علّق أحدهم بالقول : الحمد لله الذي لم يجعل
كل الدنيا عرباً وإسلاماً .. فلو كان الحال كذلك فأين يهرب العراقي ...؟
كما عمل دستور العراق اليوم تحت الرعاية
الأمريكية لخراب العراق .. عمل دستور العراق عام 1924 تحت رعاية الإنكليز لخراب
العراق أيضاً .. هذا بإسم الشيعة .. وذاك بإسم السنة .. وبين الحقبتين لعبت كافة
الأطراف الداخلية والخارجية لعبتها القذرة لذبح العراق ولا زالت ....!
ومن خلال هذه الحُقَب وأطرافها قديماً وحديثا ،
لعبت الإزدواجية النفسية كما يسميها الدكتور علي الوردي دورها وبتميز .. فالتسنن
العربي أرقى من العراقي ، والتشيع العراقي لاقيمة له أمام التشيع الإيراني حتى وصل
الأمر الى هلال العيد ورؤياه في سماء العراق لاتعني شيئاً أمام رؤيته في سماء
السعودية أو سماء قم ومشهد...!
التشيع الإيراني يعامل التشيع العراقي كذيل
وتابع ، حتى أولئك الذين تبوأوا درجات رفيعة في الحوزة العراقية .. حيث يقول مثلهم
الشعبي ( شيعة العراق سنة ، وسنتهم كفار ) .. ويردد قراءهم في عزاء الحسين ( لعن
الله أمة خذلتك وقتلتك ، وياليتنا كنا معكم سيدي ...) ,هي إشارة مبطنة موجهة الى
العراقيين ، يرددها بعضهم في العراق ليوجهها الى ( أحفاد الأمويين ) في العراق
...!
وبقي التشيع العراقي العربي يمثل سواد العامة ،
في حين يمثل التشيع الإيراني سلطة الشاهات والتوجه الرسمي ..!
وفي جميع الحالات تبقى ( الإزدواجية النفسية )
هي المحرك للعامة ، والأداة بيد السلطة ، وهذا مانراه في العراق اليوم على يد
الحكام الموالين لإيران ، والذين ترجع أصول بعضهم الى القومية الفارسية ..!
لاجدال في أن ظهور الطوائف في المجتمعات
الإنسانية يعد أمراً طبيعياً ، ولكن البعد الطائفي والتطرف عادة مايظهر في حالات
القلق الإجتماعي والتحول السياسي وإنهيار الأمن وغياب العدالة الإجتماعية ،
فالطائفية في الأصل بدأت صراعاً على السلطة إرتدى عباءة الدين وتطور الى عصبية أدت
في لحظات الإحتقان والتوتر الى رفض التعايش مع الآخر وإنكار حقه وإقصائه ..أو بعبارة أخرى ، نحن بإزاء حلقة مفرغة من صراع على
السلطة يفضي الى إختلافات مذهبية تتحول الى دفاع عن مصالح الطائفة على حساب الوطن
وتمييز طائفة على طائفة أخرى ...!
ولعل رأي عبد الله بن المقفع في كتابه ( الأدب
الكبير ) فيما يتعلق بالدين والرأي يلقي بعض الضوء على الحالة العراقية اليوم :
( ان الدين يسلم بالإيمان ، وأن الرأي يثبت
بالخصومة ، فمن جعل الدين خصومة فقد جعل الدين رأياً ، ومن جعل الرأي ديناً فقد
صار شرعاً ، ومن كان هو يُشرّع لنفسه الدين فلا دين له )
أما وقد وصلنا الى العقدة ، فإنه وبموجب علم
النفس ، نكون قد تقربنا من الحل .. وحيث أن أمر الغليان العراقي اليوم بيد أصحاب
العمائم وأتباعهما من المذهبين ، فإنني لاأجد ماأختتم به المقال الذي صدّرته بإسم
السيد الصدر .. وشيعة وسنة العراق الا أن أرجع الى القاسم المشترك بين الجميع خاصة
وعامة ، ألا وهو كتاب الله عز وجل :
( بسم الله الرحمن الرحيم . فهَل عسيتم إن توَلّيتم أن تُفسدوا في الأرض
وتُقَطّعوا أرحامكم . أولئك الذين لَعَنَهُم الله فأصَمّهم وأعمى أبصارهُمْ . صدق
الله العظيم )
26/11/2007
No comments:
Post a Comment