يقال أن لغة السياسة هي إجادة
الكذب .. وتطبيقاتها تستوجب إجادة التمثيل ، وحين يعرف السياسي كيف يغلف كذبته
بغلاف المصداقية من خلال تمثيله الجيد ، يكون قد وصل الى هدفه . ولكن يبدو أن
سياسيي الحكومة العراقية يفتقدون المؤهلات اللازمة ، وأنهم لازالوا في عالم
السياسة والعلاقات الخارجية والتصريحات الصحفية يجلسون على مقاعد الدراسة
الإبتدائية على الرغم من حرصهم على وضع الحرف ( د ) أمام أسمائهم للدلالة على
شهادة الدكتوراه التي يحملونها ، معتقدين أنها (فيزة) المرور في عالم السياسة
وقدراتهم العلمية العالية ..!
لماذا نقول المالكي والدباغ ،
بالرغم من أن هناك أسماء كثيرة يمكن إضافتها لو أردنا لصورة الحكومة العراقية
البائسة أن تكتمل . المالكي كونه رئيس الحكومة ، والدباغ هو الناطق الرسمي بإسم
الحكومة والتي والحق يقال أنها تجمع الكثير من الدكاترة ، كما تضم أحزابها المتآلفة على هدم وتحطيم
العراق بعض أصحاب السماحة حجج الإسلام والمسلمين الذين يفصّلون بدلات العمل
السياسي على مقاسات إسلامية حسب فهمهم المريض للإسلام وكما يروق لهم ، وكأن الإسلام
قد أصبح ورقة عمل لمشاريع تطرح برعاية امريكية ـ اسرائيلية في صالات الفنادق
الفخمة في لندن وواشنطن وكما تعودوا أن يفعلوا لسنوات مضت ، ولا ينسون أن يتم ختم
مشاريعهم مرجعيا حتى يسهلون عملية بلعها من قبل البسطاء من الناس ..!
هناك قاعدة سيكولوجية في اللغة
السياسية تقول : الكلام شديد اللهجة من قبل السياسي يجد دائما صدىً على المستوى
الداخلي .. وهذا بالذات ماأراد أن يفعله المالكي .. ولكن هل فعله عن أمره ..؟ أشك
في ذلك لأسباب منها جهل المالكي وطاقمه لكثير من قنوات التعامل السياسي وهذا قد
ثبت بالتجربة ، ولكونه ليس في وضع داخلي أو إقليمي يمكنه من إطلاق تصريحات معادية
واستفزازية بهذا الشكل ضد إدارة الرئيس بوش ، وهو أمام قرار مصيري يتعلق بتطبيق
خطة أمنية جديدة مطلوب منه إنجاحها ، ومشاركته الفعليه في الإستراتيجية الأمريكية
الجديدة . وأهم محنة يواجهها هو الجانب المتعلق بالقضاء على الميليشيات الشيعية
مبتدأً بجيش المهدي ، وهو يعلم أنه حتى في حالة تطبيقه لذلك فهو لن يكون آخر
الأهداف التي تريدها أميركا ...!
هناك خلاف نشأ بين المالكي وبوش
خلال وبعد إجتماع عمان في ديسمبر الماضي ، وكان في الحقيقة أحد أسباب إلغاء بوش
لإجتماعه المطول مع المالكي وتقليصه الى لقاء مقتضب على الإفطار الصباحي في اليوم
التالي ، والسبب هو إطلاعه على أفكار المالكي التي يريد طرحها عليه لمناقشتها في
الإجتماع وكما تقتضي قواعد البروتوكول .
مقترح المالكي كان يقوم على سحق
الحكومة العراقية أولا للمقاتلين السّنة وإعتقال قادتهم من سياسيين ورؤساء عشائر
وعلماء دين ، عندها وبعد إتمام ونجاح العملية سيكون لدى المالكي المبرر القوي
لإقناع الميليشيات الشيعية بأنه لم يعد هناك مبرر لوجودها أو وجود سلاحها ...!
أحست إدارة بوش بأبعاد خطة
المالكي وسذاجة طرحها وشمّت منها رائحة المراوغة والإلتفاف على الخطة الأمريكية
لغرض الإبقاء على ميليشيا الشيعة . وأحس المالكي أنه قد أسقط نفسه في المصيدة ،
وأن مايصلح من تفكير بطريقة الحيل والإلتواءات المعروفة لدى ( الموامنه )
والكشوانات للحصول على الصيد والثمن من بسطاء الناس قرب أماكن الزيارات الدينية
لايصلح في التعاملات السياسية ، وأن التقية نفسها ـ مع جلال قدرها ـ ...! ـ يبطل
مفعولها ولا تجدي حين تكون مصالح الدول الكبرى في المحك وعلى الميزان ..!
لقد علّق بوش في نفس الإجتماع
مقترحا آخر للمالكي يتضمن تزويد أميركا للعراق بالأسلحة اللازمة والكافية لغرض
المضي قدما في عملية تطبيق الخطة الأمنية ومواجهة المليشيات الشيعية والجماعات
المسلحة السنية . لقد جاء هذا التعليق للمقترح وتأجيله بناء على قناعة بوش وعن
طريق مراقبة أداء الحكومة العراقية أن السلاح سيستخدم لتسليح طائفة على حساب طائفة
أخرى في العراق ، في الوقت الذي يبحث فيه بوش عن مخرج آمن لتورطه العسكري والسياسي
في العراق .
لقد طمأن بوش المالكي بنقطتين ،
الأولى هي وصول قوات أمريكية إضافية للمشاركة في الخطة الأمنية ، والثانية صفقة
إستبدال صدام مقابل القضاء على الميليشيات الشيعية الممولة والمدعومة من إيران .
ووجد المالكي أنه قد حقق نصرا وأمنية كبيرة بإعدام صدام ، ولكنه ولسوء حظه لم يفكر
ماذا بعد الإعدام فيما يتعلق بتنفيذ دوره في الصفقة ..؟ لقد فاته أن ألأمريكان قد ضربوا عصفورين بحجر
أولها التخلص من صدام بإعتباره رئيسا ورمزا لبعض أطراف المقاومة وصعوبة إجراء أي
تغيير داخل العراق وصدام يقبع في سجنه ، ووضع المالكي على المحك واستخدامه وهو
الشيعي بضرب المليشيات الشيعية لتمهيد الأرضية للحكومة العراقية القادمة... وقد
سمعنا المالكي يوم أمس يفخر بأنه قد أعتقل 400 عنصر من جيش المهدي !
وبالعودة الى تصريحات المالكي ،
والتي بسبب السيكولوجية السياسية التي أشرتُ اليها أعلاه ، قد جعلت البعض يستغرب
منها في حين أعجب بها البعض الآخر .. ، بينما إعتبرها التيار الصدري أنها إشارة
خفية من المالكي لمليشياتهم أنها في مأمن . ولكن هذه النقطة الأخيرة ـ وقبل
التعليق الأمريكي على التصريحات المالكية ـ سرعان ماأسقطها الجيش الأمريكي
بإعتقاله أحد الرؤوس الكبيرة في التيار الصدري وهو عبد الهادي الدراجي مساعد الصدر
والشخصية البارزة في التيار مع توجيه التهمة اليه بقيامه بأعمال خطف وقتل لبعض
العراقيين ...!
ماهو الفعل ورد الفعل في زوبعة
تصريحات المالكي ..؟ . الفعل أن تصريحه كان لثلاث من كبريات الصحف الغربية إضافة
الى وكالة أنباء عالمية هي وكالة الأنباء الفرنسية . أما رد الفعل الدباغي فكان
كعادته تكذيب التصريحات ونفيها ( نفيا قاطعا )...! وكأنها تشابه نفيه لما صرح به
في ملابسات إعدام صدام التي إستهجنت عالميا حتى من قبل بوش نفسه الذي وضع كل ماحدث
على عاتق حكومة العراق ..أو تصريحاته بخصوص قطع رأس برزان في عملية ( نادرة ) كانت موضع السخرية من قبل الأطباء المختصين في
الطب العدلي وفي أكثر من دولة .. لكن الدباغ لايهمه كل ذلك ... المهم أن يكذب
وليكن مايكن ، فكل إناء ينضح بما فيه .. ولاغرابة ..!
رد الفعل الأمريكي كان مختلفا
واكثر دبلوماسية وينطوي على تطمينات للمالكي الذي يريده الأمريكان في السلطة حاليا
لإستخدامه في ضرب مرتزقة إيران في العراق . لقد قال الناطق بإسم البيت الأبيض أن
البيت الأبيض يؤكد ثقته بالمالكي وبتعاونه بشكل كامل مع هذه الإدارة بهدف تطبيق
الخطة الجديدة للرئيس بوش . واضاف توني
سنو إننا أمام شخص ـ يقصد المالكي ـ ينوي تحمل كل مسؤولياته جديا حين يتصل الأمر
بالأمن في العراق . أما ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية فقد عقب : إن
ثقتنا بالحكومة العراقية كبيرة ولكن لاتعني أنها بدون حدود ، وأمامنا مسؤوليات
وإلتزامات أمام الشعب الأمريكي ومحاسبة الحكومة على واجباتها ، لدينا الوقت ولكن
ليس الكثير من الوقت ، والناس تريد أن ترى تغيير في الوضع . وأضاف : الميليشيات
مشكلة حقيقة ويجب مواجهتها ، وفي إجتماع الكويت إتفقت جميع الأطراف على ضرورة حل
الميليشيات . مانشهده هو هجوم ضيق من أقلية ضيقة لها مصالح ضيقة على إرادة
الأغلبية بغض النظر عن الدين.
وإذا ماأردنا التذكير بتصريحات
المالكي والتي تناقلتها الأنباء فهي بإختصار كما يلي : ( الإدارة الأمريكية شارفت
على النهاية وليست الحكومة العراقية . لم يكن بوش بالضعف الذي هو عليه الآن .
ويخيل لي أنهم هم في واشنطن الذين شارفوا على النهاية وليس نحن هنا في بغداد ) .
ولم ينسى المالكي توجيه النقد الى كوندليزا رايس حول ماقالته من أن الحكومة
العراقية ضعيفة ، فقال : ( أود أن أنصح كوندليزا بأن تتجنب التصريحات التي لاتخدم
سوى الإرهابيين ....!! )
هذه كانت مجمل تصريحات المالكي
للصحف العالميه وهم صحيفة ( كورييري ديلا سيرا ) الإيطالية وصحيفة ( التايمز )
البريطانية و صحيفة ( واشنطن بوست ) الأمريكية ، إضافة الى وكالة الأنباء الفرنسيه
، وهي التصريحات التي كذب الدباغ ( أن يكون المالكي قد صرح بها ) ... ناسيا أو
متناسيا عمداً أو غباءً وزن وحجم هذه
الصحف العالمية ، وكأنها من بعض الصحف العراقية التي تباع على الأرصفة في شوارع
بغداد ...!
ولله في خلقه شؤون ..!
19/1/2007
No comments:
Post a Comment